أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

219

شرح مقامات الحريري

والباب لا يحصى كثرة فلنقتصر على هذه اللمعة . وقوله : « واستوقفني بإيماء كفه » : أي أمرني بالوقوف ، والإيماء : الإشارة . * * * فلزمت موقفي ، وأخّرت منصرفي ، فقال الوالي : ما مرامك ، ولأيّ سبب مقامك ؟ فابتدره الشيخ وقال : إنّه أنيسي ، وصاحب ملبوسي . فتسمّح عند هذا القول بتأنيسي ، ورخّص في جلوسي ، ثمّ أفاض عليهما خلعتين ، ووصلهما بنصاب من العين ، واستعهدهما أن يتعاشرا بالمعروف ، إلى إظلال اليوم المخوف . فنهضا من ناديه ، مشيدين بشكر أياديه ، وتبعتهما لأعرف مثواهما ، وأتزوّد من فحواهما . فلمّا أجزنا حمى الوالي ، وأفضينا إلى الفضاء الخالي ، أدركني أحد جلاوزته ، مهيبا بي إلى حوزته ، فقلت لأبي زيد : ما أظنّه استحضرني إلّا ليستخبرني ، فما ذا أقول ؟ وفي أيّ واد معه أجول ؟ فقال : بيّن له غباوة قلبه ، وتلعابي بلبّه ؛ ليعلم أنّ ريحه لاقت إعصارا ، وجدوله صادف تيارا ، فقلت : أخاف أن يتّقد غضبه فيلفحك لهبه ، أو يستشري طيشه ، فيسري إليك بطشه ، فقال : إني أرحل الآن إلى الرّها ، وأنى يلتقي سهيل والسها ! . * * * مرامك : مرادك ، مقامك : تلبّثك ووقوفك . أنيسي : صاحبي الذي أتأنس به . فتسمّح بتأنيسي ، أي أولاني منه المؤانسة ، رخّص : ليّن وسهل . أفاض : صبّ . خلعتين : كسوتين . والنصاب : عشرون دينارا ، والعين : الذهب . استعهدهما : استحلفهما . يتعاشرا : يتصاحبا . إظلال : قرب ودنو . اليوم المخوف : يوم موته . ناديه : مجلسه . مشيدين : رافعين بشكره أصواتهما . أياديه : نعمه . مثواهما : مسكنهما . فحواهما : معنى كلامهما ، ويروى : « نجواهما » أي سرّهما . أجزنا : خلّفنا ، أفضينا : وصلنا . الفضاء : المتّسع من الأرض . جلاوزته : شرطه ، واحدهم جلواز والجلاز عقب ملويّ على القوس ، وجلزت القوس والسوط والسكين : عصبتهما بالعقب ، فسمّوا جلاوزة ، لأنهم يعصبون بالسياط الناس عند الضرب ، أو لأن السياط لا تفارق أيديهم ، والجلز : السّدّ ، وهم يربطون الناس ويشدّونهم ، مهيبا : داعيا . حوزته موضعه الذي يحميه ويحوزه ، استحضرني : طلب حضوري ، ويستخبرني : يسألني خبره . أجول : أتصرف وأمشي ، أي علّمني في أي عرض من الحديث آخذ معه ، غباوة : جهل ، ورجل غبيّ غير فطن . تلعابي بلبّه ، أي لعبي بعقله ، والتّلعاب بنية للمبالغة . يستشري : ينتشر . طيشه : خفته من الغضب . يسري : يسير . بطشه : إيقاعه وتناوله بما يكره . الرّها : بلد من كورة الجزيرة تجاورها الرّقة وحرّان ، سميت باسم صاحبها الرها بن